الشيخ محمد الصادقي

205

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

بالغ ذلك الغضب حيث ملك موسى فلم يملكه موسى حتى ألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه ، وذلك لأنه ملكه التوحيد بعد أن ملك هو التوحيد ، فلم يستطع أن يتمالك نفسه إذ رأى القوم قد ضلوا ضلالًا بعيداً ، فذلك التعبير يشخص آماد الغضب وأبعاده لحد يملك موسى رسول اللَّه في اللَّه . ثم « أَخَذَ الْأَلْواحَ » واللام للعهد ، تعني نفس الألواح التي ألقاها دون أن تتكسر أو بعضها ، ودون أن يرفع بعضها ، خلافاً لمختلقات الروايات ، وعلى أية حال « أَخَذَ الْأَلْواحَ » التي ألقاها ، « وَفِي نُسْخَتِها » وهي زبرها وخطها « هُدىً وَرَحْمَةٌ » هما نفس « مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ » إذ لم يكن اللَّه ليلغي نسخة « هُدىً وَرَحْمَةٌ » يلقيها موسى غضباً للَّه‌و أسفاً على الإشراك باللَّه . « هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ » فهما واقع « هُدىً وَرَحْمَةٌ » حيث هما من أصول الحصائل « لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ » وأما الذين لربهم لا يرهبون فهما - فقط - دلالة هدى ورحمة دون واقعهما ، فهنا واقع بواقع وشأن بشأن ، واقع « هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ » وشأن للذين لا يرهبون ولهم شأن الاهتداء والإسترحام - ولكن لا حياة لمن تنادي . وهنا « لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ » دون « يرهبون ربهم » للتأشير إلى واجب حصر الرهبة لربهم فلا يرهبون سواه إلا فيه ، ثم وهم يرهبونه لأنه ربهم لا لطوارىء أخرى مصلحيةَ الحفاظ على ما يعنون . ذلك ، وإلى مشهد جديد في تفصيله هو مديد لمشهد سؤال الرؤية حيث هما واحد : « وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ » ( 7 : 155 ) . لقد تطلبوا إليه أن يروا اللَّه جهرة : « وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً